البؤساء الرواية الكاملة 2/1 (جزأين)
يجمع النقاد، أو يكادون، على أن فيكتو هيجو أعظم شاعر غنائي فرنسي، وواحد من أعظم شعراء العالم في مختلف العصور. ورأس مواهب هيجو قوة خارقة على الخيال الموضوعي، وبراعة عجيبة في التصوير تردفها قدرة فريدة على السمو بالكلمة حتى لتصبح نغماً. وشاعريته تلك تتمتع برحابة وتتبدى نابضة بالحياة في أعماله الأدبية، الشعرية الروائية المسرحية، مشبوبة بخاصة حين توجه نحو الأطفال والمستضعفين من الناس. نظم هيجو الشعر واقتحم ميدان التأليف المسرحي، وأعطى روايات عديدة منها "نوتردام ودباري" 1831 و"الرجل الذي يضحك" 1869 و"ثلاثة وتسعون 1872. أما أعظم رواياته جميعاً وأبقاها على الدهر فهي "البؤساء"، وقد شرع في كتابتها قبل عام 1850 ولم ينجزها إلا عام 1862. وإنما وضع هيجو روايته هذه تحت تأثير التعاليم الإنسانية والاشتراكية التي نادى بها "كابيه" و"برودون" فدافع فيها عن قضية جميع أولئك الذين يحتقرهم المجتمع، والذي ينبغي أن تعزى جرائمهم إلى فساد ذلك المجتمع نفسه. والواقع أن "البؤساء" هي رواية اجتماعية في المحل الأول، قصد بها هيجو إلى التنبيه على المظالم التي يرزح تحت عبئها المعذبون في الأرض باسم النظام حيناً، وباسم العدالة حيناً، وباسم الأخلاق حيناً، وباسم الشعب دائماً. ورواية تاريخية أرادها صاحبها معرضاً لأفكاره الديموقراطية ونزعاته التحررية، فزينها، على حساب الفن القصصي أحياناً، بلوحات قلمية جسد فيها تاريخ فرنسا في حقبة من أخطر الحقب لا في حياة ذلك البلد فحسب، بل في حياة أوربة كلها، أي تلك الحقبة المنسحبة على عهدي نابليون بونابرت ولويس فيليب بما حفلا به من انتفاضات ثورية وانتكاسات رجعية... والبؤساء إلى هذا وذاك كارورة طيب، ودعاء فلسفة، وملحمة نضال. إنها بكلمة، نشيد الحرية، وإنجيل العدالة الاجتماعية، وسيمفونية التقدم البشري، عبر العرق والدمع والدم، نحو الغاية التي عمل من أجلها المصلحون في جميع العصور: تحقيق إنسانية الإنسان وإقامة المجتمع الأمثل. ولعل أروع صفحاتها تلك التى صور فيها شخصية ميربيل، وآلام فانتين، وفرار جان فالجان، ومعركة واترلو، وثورة عام 1832. بل لعل أروع ما فيها قلب هيجو الكبير النابض من وراء كل كلمة من كلماتها، وكل فكرة من أفكارها، وشاعريته العارمة الخيرة التي تتخطى الحدود والسدود، ولا تعرف هدفاً غير المحبة، والعدل، والخير العام.