التاريخ والمؤرخون العراقيون في العهد العثماني
الطبعة الاولى : 2009 .
الناشر : دار الوراق للنشر .
أدت عوامل متنوعة سياسية واجتماعية واقتصادية، إلى أن يشهد الوطن العربي، في العقود الأخيرة اهتماماً متزايداً (بالتاريخ قراءة، وتفسيراً، وكتابة وهو اهتمام تولد من إحساس عام بضرورة إدراك جذور الظواهر العامة في حياة الأمة إدراكاً سليماً، وسط عصر تميز بأعقد التحولات الاجتماعية وأشملها، فلم تعد التبريرات التاريخية السالفة بكافية لأن تفوز بقناعة المثقف العربي، ولم يعد هو يرضى بها دليلاً يسبر به جذوره في عمق ماضيه، وكان هذا الإحساس يتعاظم كلما فقد المثقف العربي ثقته بموضوعية كثير من المسلمات والقناعات التي قدمتها هذه التبريرات، بإدراكه بأنها كتبت وفق مفاهيم هي نتاج عصر لم يعد عصره، ومن ثم فهي نسبية يعوزها الثبات المولد لقناعة جديدة. وزاد من حدة هذا الإحساس، أن كثيراً من الطروحات التاريخية الموجودة، جاء بها مؤرخون أجانب، إما إنهم استخرجوها من تحليلهم لتجارب أممهم الخاصة، أو إنهم وضعوها لخدمة أهداف سياسية معينة، وفي كلتا الحالتين، لم يكتبها مؤرخون عرب، أي إنها كتبت (له) ولم يكتبها (هو)، فهي إذن لا لا تمثله تمثله، ولا تصلح لأن يكشف بها جذوره، ومن ثم تعجز عن أن تهديه إلى حقيقة وجوده، وموقعه في هذا العالم المتحول.
وبما أن إعادة البحث في الجذور، تعني إعادة قراءة الماضي، ثم كتابته على وفق نظرة جديدة، هي في واقع الأمر - نتاج عصرنا هذا ، بإيجابياته وسلبياته. فقد تداعى مؤرخون وسياسيون ومفكرون إلى إعادة كتابة تاريخنا القومي، كل بحسب منظوره المعاصر، فنشطت هنا وهناك محاولات لإعادة كتابة حوادث أو حقب أو مؤسسات، أو علاقات على وفق مؤثرات سياسية واجتماعية عديدة. وأخذت هذه المحاولات تستهدف رؤية ماضي الأمة، ليس كما رآه الآخرون بأعين هي جزء من نسيج شخصياتهم، وإنما كما رأته هي وقررته، حسب تجربتها المتميزة، ومن زاويتها الخاصة، ومن خلال روحها المستقل، وهكذا، فإن ما لاح للبعض، أول الأمر، من تناقض بين الموضوعية والذاتية، لم يكن في حقيقة الأمر - إلا تناقضاً لا وجود له طالما عمد المؤرخ إلى استجلاء تاريخه، والغوص في عمقه، والالتحام بحركته من الداخل، لا مجرد أن يتطلع إليه من خارجه فيهذا وحده تتطابق النظرتان، وتتوحدان، في الكشف عن الحركة الدائبة للأمة ونشاطها الحضاري عبر مراحل تاريخها الطويل